ما يعلّمنا إياه الفلج عن الوقت
الجواب المختصر
الفلج قناة تحمل الماء بالجاذبية من مصدر تحت الأرض إلى بساتين النخيل في الواحة. ولأن الماء لا يتوقف، قسمته القرى بالوقت لا بالكمية. وفي عُمان كانت المزولة تقيس نصيب كل عائلة نهارًا والنجوم ليلًا، ساعة واحدة للجميع، وهي الفكرة التي بُني عليها سيسلي.
أهم النقاط
- ينقل الفلج الماء في نفق تحت الأرض بانحدار خفيف، ثم في قنوات مكشوفة إلى المزارع.
- أفلاج العين جزء من موقع للتراث العالمي سجّلته اليونسكو عام 2011، وأدرجت اليونسكو تقاليد الأفلاج في الإمارات في قائمة التراث غير المادي عام 2020.
- قبل انتشار ساعات اليد في أواخر الستينيات، كانت أغلب قرى الأفلاج في عُمان توقّت أنصبة الماء بالمزولة نهارًا وبالنجوم ليلًا.
- لم يقس الفلج شيئًا سوى الساعة، وقاسها للجميع بالطريقة نفسها.
ما هو الفلج؟
الفلج طريقة لنقل الماء عبر الصحراء دون مضخة، وجمعه أفلاج.
وتصفه اليونسكو ببساطة: نفق تحت الأرض يحمل الماء مسافات طويلة من مصدر جوفي إلى حوض يصل إليه أهل القرية. يجري الماء بانحدار تدريجي من أرض مرتفعة إلى أرض أخفض، ولأن النفق تحت الأرض يقلّ ما يتبخر منه في الطريق. ومن الحوض تحمله شبكة من السواقي المكشوفة إلى المزارع.
هذه هي الآلة كلها: انحدار، ونفق، وناس يحافظون على نظافته. وتذكر اليونسكو أن أهالي الإمارات حافظوا على أفلاجهم ونظّفوا أنفاقها من الطين على مدى 3,000 عام. وفي عام 2020 أدرجت تقاليد الأفلاج في الإمارات، أي معارف بنائها وصيانتها وتوزيع مائها بالعدل، في قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية.
أين أفلاج العين؟
نشأت العين حول واحاتها، ونشأت واحاتها حول أفلاجها.
في عام 2011 سجّلت اليونسكو “المواقع الثقافية في العين” موقعًا للتراث العالمي. ويضم الموقع 17 مكوّنًا في أربع مجموعات: حفيت، وهيلي، وبدع بنت سعود، ومناطق الواحات، وتشهد معًا على حياة الإنسان هنا من العصر الحجري القديم مرورًا بالعصرين البرونزي والحديدي حتى العصر الإسلامي المتأخر. وتصف دائرة الثقافة في أبوظبي العين بأنها من أقدم المستوطنات البشرية المأهولة على الدوام في العالم.
وبحسب ملف قدّمته الإمارات إلى منظمة الأغذية والزراعة عام 2015، تعثّرت الزراعة في المنطقة في نهاية العصر البرونزي مع ازدياد الجفاف، وكان دخول الفلج في العصر الحديدي، قبل نحو 3,000 عام، هو ما أنعشها من جديد.
وتضم واحة العين، كبرى واحات المدينة، نحو 147,000 نخلة، بحسب دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي. ويصف ملف منظمة الأغذية والزراعة نفسه فلجها، فلج الداوودي، بأنه يستمد ماءه من “أم الفلج”، أي آباره الرئيسية، على بعد نحو 7 كيلومترات. وقد جفّت عدة أفلاج أخرى في العين بين عامي 1979 و1982 مع انخفاض المياه الجوفية، وصارت اليوم تُغذّى من آبار تُضخ مياهها.
كيف قسمت القرية ماءً لا يتوقف؟
وهذا الجزء لا يفارقنا.
الفلج يجري بالجاذبية، فلا يتوقف في الليل. يصل الماء سواء كان أحد مستعدًا له أم لا. ولأنه أثمن ما تملكه القرية، لم يكن يصح أن يضيع منه شيء.
فقُسم الماء بالوقت. لكل عائلة نصيب، والنصيب عدد من الدقائق أو الساعات يُحوَّل فيها الجريان إلى سواقيها.
وتشرح هارييت ناش وديونيسيوس أغيوس، اللذان درسا هذا التقليد في عُمان، البلد الذي وُثّق فيه أكثر من غيره، كيف كانت تلك الدقائق تُعدّ. فكثير من الأنصبة أقل من 30 دقيقة، ولذا وجب ضبط الوقت بعناية. وقبل انتشار ساعات اليد في أواخر الستينيات، كانت أغلب القرى تستخدم المزولة نهارًا والنجوم ليلًا. وكان كل من النهار والليل يُقسم إلى 24 وحدة تُسمى “الأثر”، متوسط كل منها نحو نصف ساعة على مدار السنة.
وكانت المزولة في الغالب عمودًا وحوله خطوط أو حجارة على الأرض، وينتقل الدور من عائلة إلى أخرى كلما عبر ظل العمود علامة. وبعد الغروب كان الناس يرقبون نجومًا بعينها وهي تطلع من الأفق أو تغيب فيه، أو من خلف جدار بُني ليقوم مقام الأفق. وتسجّل بوابة اليونسكو لتراث علم الفلك أن هذه الممارسة ما زالت حية في عدد قليل من قرى عُمان، وأن معرفتها عند كبار السن فيها.
وتصف اليونسكو تقاليد الأفلاج في الإمارات بأنها قائمة على معارف موروثة عن الطبيعة والكون، وعلى توزيع الماء بالعدل. ومهما اختلفت طريقة العدّ من قرية إلى أخرى، كان المبدأ واحدًا.
ساعة واحدة تدير القرية كلها، ولا يملكها أحد. تقيس الوقت نفسه لأصغر مزرعة وأكبرها، ولا يعنيها من يراقب.
ما الذي يعلّمنا إياه الفلج عن الوقت؟
أغلبنا اليوم يقيس أيامه على غيره: هدف على شاشة، أو نتيجة، أو زميل يبدو أنه ينام أقل وينجز أكثر، أو جري صديق منشور على حسابه.
أما الفلج فلم يقس شيئًا سوى الساعة. لم يرتّب العائلات، ولم يكافئ من استهلك ماءه أسرع. كان يقول فقط: هذا دورك، وهذه مدته، ثم يأتي دور غيرك.
في ذلك سكينة. الماء يجري في الليل كما في النهار، والنجوم تحفظ العدّ. والظل يتحرك بالسرعة نفسها في السنة الخصبة والسنة الصعبة، فلا أحد يدّعي غير ذلك.
ونظن أن الجسم يشبه هذا قليلًا. له إيقاعه الخاص. يكون أبطأ في أغسطس منه في يناير، لأنه يؤدي مهمة التبريد. وينام أقل في الليالي الحارة. ثم يستقر حين يتبدّل الفصل. وإن قرأته مقابل أرقام غيرك بدا كأنه يتأخر، وإن قرأته مقابل أرقامه هو، فهي الساعة لا أكثر.
لماذا يحمل كل خاتم من سيسلي فلجًا؟
هذه هي الفكرة التي بُني عليها سيسلي.
سيسلي خاتم أو سوار من التيتانيوم، يقرأ نومك وطاقتك وتوترك وتقلّب نبض قلبك ونشاطك وحرارة جلدك، ويعرض كلًّا منها مقارنة بمعتادك أنت، لا بمعتاد أحد غيرك. يقول لك ما فعله جسمك بكلمات واضحة، ثم يتركك تمضي في يومك.
والحزّ الذي يدور على الوجه الخارجي للخاتم فلج. يدور الدورة كاملة ولا ينقطع. هو الخط الوحيد الذي يراه الناس، ومثل الساقية تحت النخيل، يحمل الفكرة: مقياس واحد، هو نفسه لكل من يلبسه.
واللمسات النهائية الثلاث سُمّيت بأسماء ثلاث واحات في ثلاث ساعات من اليوم نفسه: العين، لواحة العين عند أول الضوء، حين يكون الفلج قد جرى الليل كله. والأحساء، لواحة الأحساء في عز النهار. وليوا، لطرف الربع الخالي عند المغرب.
وإن أردت أن ترى كيف يبدو ذلك في الحياة اليومية، فاقرأ عن الساعات الهادئة في يومك، أو عن ما يقوله لك نبض قلبك في الراحة. ولأشد أسابيع السنة حرًّا، حين يهمّ إيقاع الجسم أكثر من أي وقت، اقرأ ماذا تفعل 46 درجة بجسمك.
المصادر
- UNESCO Intangible Cultural Heritage, Al Aflaj, traditional irrigation network system in the UAE, 2020 ·
- Abu Dhabi Culture, The Cultural Sites of Al Ain: a UNESCO World Heritage Site ·
- Department of Culture and Tourism Abu Dhabi, Al Ain Oasis ·
- UAE proposal to FAO GIAHS, Al Ain and Liwa historical date palm oases, 2015 ·
- Nash and Agius, Folk astronomy in Omani agriculture, Proceedings of the International Astronomical Union, 2011 ·
- UNESCO Portal to the Heritage of Astronomy, Astronomical timing of irrigation in Oman ·